صدر الدين محمد الشيرازي ( صدر المتألهين )

235

تفسير القرآن الكريم

وعذاب الجحيم ، لرسوخ محبتها إياها في هذه النشأة وارتكان [ ارتكاز - ن ] تعلقها بها . وإنما لم يتألم النفس بعذاب الشهوات ، ولم يتأذ بلسع حيّات ملاذ الدنيا وعقاربها قبل الموت مع كونها متصلة محيطة بها غير مفارقة عنها - لقوله تعالى : وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ [ 9 / 49 ] لخدر الطبيعة وسكرها الحاصل بسبب قلة المعرفة ، وكثرة الاشتغال باكتساب أسباب الدنيا وجمع حطامها . وربما يوجد من الناس من يجد الألم عين الراحة 127 والراحة عين الألم ، فيأكل الحميم والزقوم في هذه الحياة الفانية مشتهيا لذيذا عند إدراكه ، ويعوق عن إدراك العقائد الحقة التي هي العسل المصفى ، واللبن الذي لم يتغير طعمه ، لكونه محجوبا عن إدراك كل من القبيلين بصورته الظاهرة ، فالشهوات لذيذة حلوة عنده ، والموعظة الحسنة والكلمات الحقة كريهة مرة لديه . وهذا لأجل مرضه الواقع بسوء العادات ، كما يلتذّ بعض الناس بأكل الطين ، وكما يستبشع بعض المرضى الأشياء الحلوة ، ويستحلى الأشياء المرة ، كمن به مرض « بوليموس » حيث يأوف حسه لغلبة الخلط السوداوي ، ويخدر ذائقته عن إدراك الطعوم على وجهها ، فيجد المر حلوا والحلو مرا ، كما قيل شعرا : فمن يك ذا فم مرّ مريض * يجد مرّا به الماء الزلالا وإلا فالقلب السليم والعقل الصحيح لا يلتذ إلا بذكر اللّه ومعرفته ولقائه ، لأن ذلك كماله وغذاؤه وقوته ، لا الأمور المحسوسة الدنياوية من المال والبنين وغيرهما من الأمور التي خلقت لأجل الانتفاع بها في طلب الآخرة والسلوك إلى اللّه تعالى ، لا للالتذاذ والتعشق ، ولما كان الكمال الحقيقي والخير المحض هو معرفة الحق الأول وملكوته التي ستقلب في الآخرة مشاهدة له ، وهو إنما يتأتي بالقلب السليم من مرض العادات السيئّة من مؤانسة المحسوسات ، قال سبحانه : يَوْمَ لا يَنْفَعُ مالٌ وَلا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ [ 26 / 89 ] .